السيد كمال الحيدري
302
أصول التفسير والتأويل
الإشكال على النظريّتين أورد على النظرية الأُولى أنّ أقلّ ما يلزمها أن تكون بعض الآيات القرآنية لا ينال تأويلها أي تفسيرها وهو المراد من مداليلها اللفظية عامّة الأفهام ، والحال أنّه ليس في القرآن آية غير قابلة للفهم ، بل القرآن ناطق أنّ الله إنّما أنزل كتابه ليُعلم ويُفهم ويُتفقّه ويُتدبّر فيه ، قال تعالى : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ( ص : 29 ) . « ولا مناص لصاحب هذه النظرية إلّا أن يختار أنّ الآيات المتشابهة إنّما هي فواتح السور من الحروف المقطّعة حيث لا ينال معانيها عامّة الأفهام . ويرد عليه : أنّه لا دليل عليه ، ومجرّد كون التأويل مشتملًا على معنى الرجوع وكون التفسير أيضاً غير خال عن معنى الرجوع ، لا يوجب كون التأويل هو التفسير ، كما أنّ الأُمّ مرجع لأولادها وليست بتأويل لهم ، والرئيس مرجع للمرؤوس وليس بتأويل له . على أنّ ابتغاء الفتنة عدّ في الآية خاصّة مستقلّة للتشابه ، وهو يوجد في غير فواتح السور ، فإنّ أكثر الفتن المحدثة في الإسلام إنّما حدثت باتباع علل الأحكام وآيات الصفات وغيرها » « 1 » . وأورد على النظرية الثانية : « إنّ لازمها وجود آيات في القرآن أُريد بها معان يخالفها ظاهرها الذي يوجب الفتنة في الدِّين بتنافيه مع المحكمات ، ومرجعه إلى أنّ في القرآن اختلافاً بين الآيات لا يرتفع إلّا بصرف بعضها عن ظواهرها إلى معان لا يفهمها عامّة الافهام ، وهذا يبطل الاحتجاج الذي في قوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( النساء : 82 ) ، إذ لو كان ارتفاع اختلاف آية مع آية بأن يُقال : إنّه أُريد بإحداهما أو بهما معاً غير ما يدلّ
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 3 ص 47 .